بترايوس وإعادة رسم المقاربات الأمريكية: هل تسعى واشنطن إلى التفاهم مع قوى المحور؟
إعداد أحوال ميديا

تتداول أوساط سياسية ودبلوماسية معلومات عن توجه أمريكي محتمل لإسناد دور إقليمي واسع إلى الجنرال المتقاعد ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق ديفيد بترايوس، في إطار إعادة ترتيب طريقة إدارة واشنطن لملفات تركيا وسوريا والعراق. ولا يمكن حتى الآن التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها قراراً أمريكياً معلناً، لكنها تثير أسئلة مهمة حول طبيعة التحول الذي قد تكون الإدارة الأمريكية بصدد دراسته في الشرق الأوسط.
فمجرد تسريب اسم بترايوس، بما يحمله من تاريخ عسكري واستخباراتي وتجربة عميقة في العراق، يبدو لافتاً في توقيته. إذ إن المنطقة لا تُدار فقط بالاقتصاد وصفقات الأعمال، بل بشبكة معقدة من الجيوش والأجهزة الأمنية والميليشيات وشبكات النفوذ والتحالفات المحلية. ومن هنا يمكن قراءة التسريب، إذا كان يعكس توجهاً حقيقياً داخل واشنطن، باعتباره إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية باتت ترى أن العقل العسكري ــ الاستخباراتي أكثر ملاءمة لإدارة الشرق الأوسط من المقاربة الاقتصادية وحدها.
وفي هذا السياق، يكتسب اسم بترايوس وزناً استثنائياً. فهو ليس مجرد جنرال أمريكي سابق، بل أحد أبرز العقول العسكرية التي تعاملت مباشرة مع تعقيدات العراق، وشارك في صياغة استراتيجية «زيادة القوات»، وعمل على بناء ترتيبات أمنية محلية وعشائرية لمواجهة الجماعات المسلحة. كما أن تجربته جعلته أكثر معرفة من كثير من المسؤولين الأمريكيين بشبكات النفوذ الإقليمية، وبالقوى التي قد تختلف معها واشنطن سياسياً لكنها تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في الميدان.
ومن هنا يمكن طرح الاستنتاج الأكثر جرأة: إذا كانت واشنطن تبحث عن صيغة جديدة لضبط المنطقة، فقد يكون عقل بترايوس أكثر استعداداً للتفاهم البراغماتي مع إيران وقوى «محور المقاومة» من الاعتماد الكامل على تركيا والقوى السنية الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن بترايوس مؤيد لإيران أو لقوى المحور، ولا أن هناك تطابقاً بين رؤيتها وواشنطن. بل إن المسألة تتعلق بمنطق القوة وإدارة الأزمات. فالرجل يعرف هذه القوى من تجربة ميدانية مباشرة، ويدرك أن تجاهلها لا يعني اختفاء نفوذها، وأن أي استراتيجية أمريكية واقعية في العراق وسوريا والمنطقة الأوسع ستضطر في مرحلة ما إلى التعامل مع القوى التي تمتلك نفوذاً فعلياً على الأرض.
وهنا تظهر تركيا في معادلة مختلفة.
فتركيا حليف رسمي للولايات المتحدة وعضو في حلف الناتو، ولا تستطيع واشنطن تجاهل أهميتها الجغرافية والعسكرية. لكن أنقرة في الوقت نفسه تمتلك مشروعاً إقليمياً مستقلاً، وتسعى إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، ولا تتطابق حساباتها دائماً مع المصالح الأمريكية. ولذلك قد تنظر بعض دوائر القرار في واشنطن إلى تركيا باعتبارها حليفاً مهماً، لكن ليس بالضرورة قوة يمكن منحها تفويضاً مفتوحاً لإدارة المنطقة.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون تركيا حليفاً رسمياً، بينما تستطيع إيران، رغم كونها خصماً استراتيجياً، أن تكون في بعض الملفات طرفاً واقعياً يمكن التفاوض معه وإدارة الأزمات من خلاله.
وهذا تحديداً ما يجعل بترايوس شخصية مثيرة للاهتمام في هذه المرحلة. فتجربته العراقية تقوم على فكرة أساسية: لا يكفي أن تعرف من هو حليفك ومن هو خصمك؛ الأهم أن تعرف من يملك القدرة على تغيير الوقائع على الأرض، ومن يمكن التفاهم معه، ومن يجب احتواؤه، ومن يجب موازنته.
وبالتالي فإن التسريب المتعلق ببترايوس، إذا كان يعكس نقاشاً حقيقياً داخل دوائر القرار الأمريكية، قد يعبر عن انتقال من سؤال «من هو حليفنا؟» إلى سؤال أكثر واقعية: «من يستطيع فعلياً ضبط المنطقة ومنع انفجارها؟»
ومن هذه الزاوية، قد تكون إيران وقوى «محور المقاومة» أكثر قابلية للدخول في تفاهمات أمنية محددة مع واشنطن مما توحي به الصورة الأيديولوجية للصراع. فواشنطن قد لا تريد انتصار إيران، لكنها قد تفضل أحياناً التعامل مع قوة إقليمية قوية يمكن التفاهم معها وضبط سلوكها، على ترك المنطقة أمام فراغ أمني تتسع فيه الفوضى وتصبح الجماعات غير المنضبطة صاحبة القرار.
وفي المقابل، فإن بروز ترتيبات إقليمية جديدة، مثل التقارب التركي ــ السعودي ــ الباكستاني، قد يدفع واشنطن إلى إعادة حساباتها تجاه صعود قوة إقليمية مستقلة. فالمسألة بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليست في النهاية سنية أو شيعية بالمعنى العقائدي، بقدر ما تتعلق بسؤال أكثر واقعية: من يملك القوة؟ من يستطيع استخدامها؟ ومن يمكن التنبؤ بسلوكه وقبول حدود النفوذ الأمريكي؟
ومن هنا يمكن فهم فرضية أعمق: ربما لا تبحث واشنطن عن القضاء الكامل على «محور المقاومة»، بقدر ما تبحث عن إعادة توظيف ميزان القوى القائم، بحيث تتحول بعض القوى التي كانت تُعامل كخصوم إلى أطراف يمكن التفاوض معها واستخدام نفوذها في احتواء قوى أخرى.
وفي هذه المعادلة تحديداً تبرز قيمة بترايوس. فالرجل ينتمي إلى مدرسة عسكرية ــ استخباراتية ترى أن القوة لا تعمل بمعزل عن السياسة، وأن إدارة الشرق الأوسط تتطلب معرفة دقيقة باللاعبين المحليين والإقليميين وشبكات نفوذهم. ولهذا يمكن أن يُنظر إليه، مجازاً، بوصفه «مدير المنطقة الصارم»؛ ليس لأنه يقبل جميع أطرافها، وإنما لأنه يعرف كيف يستخدم تناقضاتها وموازين قوتها لمنع انهيارها.
وهذا قد يفسر أيضاً لماذا يصبح اسم بترايوس مهماً حتى قبل أن يتحول التسريب إلى قرار رسمي. فالمغزى قد لا يكون في شخص الجنرال وحده، وإنما في المدرسة التي يمثلها: مدرسة ترى أن الشرق الأوسط لا يُدار من خلال الصفقات التجارية والدبلوماسية الاقتصادية فقط، وإنما من خلال الاستخبارات والقوة وموازين الردع وفهم القوى التي تتحكم فعلياً بالميدان.
وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كان بترايوس «مع إيران» أو «ضد تركيا»، وإنما: أي قوة يعتقد أن الولايات المتحدة تستطيع التفاهم معها، وأي قوة يخشى أن تتحول من حليف إلى مركز قوة إقليمي مستقل يصعب احتواؤه؟
إذا صحت هذه القراءة، فقد يكون بترايوس أكثر ميلاً إلى التفاهم المشروط مع إيران وقوى محور المقاومة من منح تركيا والقوى السنية الإقليمية تفويضاً مفتوحاً لإدارة المنطقة؛ ليس حباً بإيران ولا عداءً لتركيا، وإنما لأن خبرته الطويلة قد تجعله أكثر ثقة في التعامل مع القوى التي يعرف قواعد لعبها وحدود قوتها، وأكثر حذراً تجاه القوى التي قد تمتلك مشروعاً إقليمياً يتجاوز ما تريده واشنطن.
وفي النهاية، فإن أهمية تسريب اسم بترايوس لا تكمن في كونه خبراً مؤكداً حتى الآن، بل في السؤال الذي يفتحه: هل بدأت واشنطن تكتشف أن الشرق الأوسط لا يُدار بعقل اقتصادي وتجاري وحده، وأن إدارة المنطقة تحتاج مجدداً إلى عقل عسكري ــ استخباراتي يعرف من يملك السلاح، ومن يملك النفوذ، ومن يستطيع ضبط الشارع، ومن يستطيع منع الحرب عندما تفشل الدبلوماسية؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن مجرد عودة اسم ديفيد بترايوس إلى التداول قد تكون بحد ذاتها إشارة إلى أن واشنطن تعيد التفكير في قواعد إدارة الشرق الأوسط، وربما تستعد لمرحلة يصبح فيها التفاهم مع الخصوم أكثر واقعية من الاعتماد المطلق على الحلفاء.



